عبد العزيز عتيق
151
علم البديع
الفعل المستقبل إلى فعل الأمر ، وعن الفعل الماضي إلى فعل الأمر . ويقول ابن الأثير إن هذا القسم كالذي قبله في أنه ليس الانتقال فيه من صيغة إلى صيغة طلبا للتوسع في أساليب الكلام فقط ، بل الأمر وراء ذلك . وإنما يقصد إليه تعظيما لحال من أجرى عليه الفعل المستقبل وتفخيما لأمره ، وبالضد من ذلك فيمن أجرى عليه فعل الأمر . فمن الالتفات بالرجوع أو العدول عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر قوله تعالى : يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ . وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ . وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ . إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ . قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ . وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . فإنه إنما قال : أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا ولم يقل : « وأشهدكم » ليكون موازنا له وبمعناه ، لأن إشهاده اللّه على البراءة من الشرك صحيح ثابت ، وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بهم ودلالة على قلة المبالاة بأمرهم ، ولذلك عدل به عن لفظ الأول - المستقبل - لاختلاف ما بينهما ، وجيء به على لفظ الأمر ، كما يقول الرجل لمن ساءت علاقته به : أشهد عليّ أني أحبك ، تهكما به واستهانة بحاله . * * * ومن الالتفات بالرجوع أو العدول عن الفعل الماضي إلى فعل الأمر بغرض التوكيد لما أجرى عليه فعل الأمر لمكان العناية بتحقيقه قوله تعالى : قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ . وكان تقدير الكلام : أمر ربي بالقسط وبإقامة وجوهكم عند كل مسجد ، فعدل عن ذلك بالالتفات إلى فعل الأمر للعناية بتوكيده في